الأربعاء, 22 نيسان/أبريل 2015 18:48

سعد الدين العثماني: مفتاح مخزن المغرب الجديد

لم يكن قد مر على وصولي للدار البيضاء سوى ساعات قليلة حين رأيت الرجل على غداء ضم عددا من الأكاديميين والكتاب ورجال الأعمال من بلدان عربية مختلفة، وكان السياسي الوحيد بيننا.. كانت زيارتي الأولى للمغرب، وكنت أعرف الرجل شكلا دونما لقاء سابق.. ولفت نظري بساطته وقدرته على الاشتباك في الحديث والسير به في اتجاهات وقضايا يعز على السياسيين الخوض فيها.. تجاذبت وأحد الحضور حديثا جانبيا عن الأحوال ومستقبل المغرب فإذا به يشير إليه قائلا: عليك بسعد الدين العثماني.. فهو رئيس وزراء المغرب القادم!.. قضيت أسبوعين بالمغرب في لقاءات وزيارات ومناقشات في الشارع وبين النخبة، وحين أردت عمل جرد أو حساب ختامي للرحلة كانت النتائج كلها تقول إنني قد أحتاج في الزيارة القادمة لموعد مسبق من مكتب رئاسة الوزراء قبل لقاء آخر مع سعد الدين العثماني الذي أكتب عنه الآن، ولم يزل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذات التوجهات الإسلامية.
سعد الدين العثماني -إذا أردت اختصار الحديث عنه بكلمات- ربما كان الزعيم السياسي الوحيد الذي يملك هو وحزبه -الكائن بحي الليمون وسط العاصمة الرباط- أهم مفاتيح المشهد السياسي المنتظر في بلد كالمغرب يبيت ناسه وليس لهم هم إلا انتظار التغيير، وقراءة سيرته ومسيرته العلمية والحركية ومعرفة رؤيته السياسية كل هذا كفيل إذا وضع في السياق الراهن للمغرب بأن يؤكد على أن الرجل هو فرس الرهان القادم، وحامل المفاتيح التي يمكنها فك شفرات المشهد السياسي الغارق في القلق وترقب الانتظار.
مفتاح التركيبة المغربية الفريدة
سعد الدين المولود في يناير 1956 هو ابن لعائلة أمازيغية عريقة من مدينة إنزكان المجاورة لأغادير (حوالي 600 كيلومتر جنوب الرباط) في منطقة سوس، وهي عائلة وصفها العلامة محمد المختار السوسي بأنها ثانية أسرتين في المغرب تسلسل فيهما العلم أكثر من ألف سنة، وأفرد لترجمتها نحو 160 صفحة في كتابه الموسوعي "المعسول"، عدد فيها مناقبها في العلم والوطنية.
كان أبوه الشيخ "إمحمد العثماني" أحد أهم المراجع الدينية لأهل سوس، وقد اشتهر بجهوده من أجل إصلاح التعليم بالمدارس الدينية وبعث التراث الإسلامي الأمازيغي، ظل لسنوات طويلة يقدم برنامجا في الفتوى والتفسير باللغة الأمازيغية في الإذاعة الوطنية، وكان من أوائل من التحقوا بدار الحديث الحسنية وتخرجوا فيها، وقد اطلعت على رسالته بالغة الأهمية التي طبعتها مؤخرا وزارة الأوقاف في المغرب وكانت عن "ألواح جزولة والتشريع الإسلامي: دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي"، وهي رسالة أثبت فيها أن هذه المنطقة كانت تخضع في أعرافها وتشريعاتها المحفوظة على الألواح للشريعة.
وقد عرف إمحمد العثماني بمكانته كعالم وكمناضل أيضا في صفوف الحركة الوطنية، فرأس خلايا في المقاومة ضد الاستعمار، وتعرض للنفي عام 1950، كما اشترك وعدد من أهله في تأسيس جمعية علماء سوس الذين تصدوا للظهير البربري الذي أرادت به فرنسا شق الوحدة المغربية والتفريق بين العرب والبربر، وقد أشرف على رسالته، وقدم لها أستاذة العلامة علال الفاسي أبرز رموز الحركة الوطنية المغاربية، وقد منحت شخصيته وتاريخه للعائلة مكانة وتقديرا كبيرا بين أهل سوس، وزاد من مكانة العائلة أن معظم أفراد أسرة العثماني اشتغلوا بالدعوة بالعمل العام.
وسوس التي تنتمي إليها عائلة العثماني هي إحدى أهم المناطق الأمازيغية المعروفة بالعلم والتدين، وربما كانت استثناء أمازيغيا في قدرتها على الممانعة ضد موجات التغريب والحفاظ على هويتها وتمسكها بالقيم والثقافة الإسلامية، وللتصوف فيها نفوذ واسع.
ويتيح هذا العرض لنا أن نفهم خصوصية شخصية العثماني وتجربة الحركة الإسلامية المغربية فيما يتعلق بلغم الأمازيغية وقضية التنوع العرقي واللغوي عموما والتي تبدو من أهم المشكلات التي واجهت الدولة الوطنية الحديثة والتي فشل الإسلاميون -بشيء من التعميم- في تقديم إجابة مقبولة عنها، وهو ما يمكن أن ينجح العثماني فيه.
فالعثماني ومعظم قيادات وكوادر العدالة والتنمية وربما بقية التنظيمات الإسلامية الأخرى -مثل العدل والإحسان ومرشدها عبد السلام ياسين- من أصول أمازيغية، ومن ثم فمشكلة التعدد والتنوع وحقوق الأقليات اللغوية والعرقية لا تمثل لهم هاجسا كالذي تعانيه بقية الحركات الإسلامية في البلاد العربية الأخرى بما فيها جارتهم الجزائر، وهو ما أتاح لهم تفكيك هذا اللغم ومنع مصادرة هذه القضية لمصلحة التيار العلماني التغريبي، لذلك كان إسلاميو المغرب أقدر التيارات السياسية على إدارة هذا الملف بما يعيد بوصلة الحركة الأمازيغية إلى الداخل بعيدا عن الاحتماء بالخارج، في ظل توافق عام مع جميع التيارات الأخرى على حماية ورعاية التنوع والتعدد ضمن وحدة التراب المغربي.
وفي هذا السياق يمكننا فهم الحفاوة والرعاية التي قدمها الإسلاميون المغاربة لأول ترجمة أمازيغية لمعاني القرآن الكريم، وعدم ممانعتهم للخطوات التي أقرتها المؤسسة الملكية لمصلحة الحفاظ على الأمازيغية، ولن نندهش حين نفاجأ بأن مجلة تيلواح الأمازيغية ذات توجه إسلامي، وأن الذي يرأس تحريرها هو شقيق سعد الدين العثماني.
ولم يجد سعد الدين في لفتة بالغة الدلالة أن يفتتح كلمته في مؤتمر لأحد الأحزاب الأمازيغية بتحية الحضور بكلمات أمازيغية (آيتما أستما)، ولم يتوقف عن الابتسام وهو يحصد تصفيقات حارة من المؤتمرين الذين أسعدتهم الحروف الأمازيغية وهي تخرج من فم ممثل "الحزب المحافظ" الذي كانوا يخشون مواقفه من "قضيتهم".
في القيادة التاريخية للحركة

مفاتيح الحل التي يملكها العثماني لا يستمدها من الجذور والأصول فقط، فتتبع سيرته ومسيرته يمكن أن يرسم صورة أكثر وضوحا للرجل المنتظر؛ فهو أحد القيادات التاريخية للحركة الإسلامية التي صارت الرقم الأهم في المعادلة السياسية الحالية، وليس طارئا عليها، ولعب دورا تاريخيا يعطيه من المشروعية ما لا يحظى به كثيرون التحقوا بالإسلامية بعدما أقلع القطار وتأكدت صحة الوجهة، وكان في قيادته للحركة قادرا على معرفة حركة واتجاه الريح، وإدارة الدفة وسط الأمواج العاتية.
بدأت علاقة العثماني بالحركة الإسلامية في بداية السبعينيات، وهو لم يزل طالبا في ثانوية عبد الله ياسين، كانت البداية باطلاعه على كتابات سيد قطب ورسائل حسن البنا التي أصلت عنده مبدأ ضرورة الانخراط في عمل إسلامي حركي منظم ففكر وصديقه عبد الله بها (نائبه الحالي في الأمانة العامة) في إنشاء "جمعية الشبان المسلمين" في مدينته إنزكان، غير أن انتقاله للدراسة في كلية الطب في الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية (تخرج فيها سنة 1986) فتح أمامه أبواب العمل الإسلامي على مصراعيها فانخرط في جماعة التبليغ ثم التحق سنة 1978 بجمعية الشبيبة الإسلامية التي كان يتزعمها عبد الكريم مطيع.
وفي هذه المرحلة كانت الحركة الإسلامية على موعد مع أزمة فارقة وتاريخية تتعلق بالموقف من العنف بعدما نسب إلى الشبيبة مسئولية قتل القيادي الاشتراكي عمر بن جلون، فقد شعر العثماني -وهو شديد الحساسية في اشتمام رائحة السفن الغارقة- مع رفيقيه عبد الإله بن كيران وعبد الله بها وآخرين بتشوش رؤية مطيع ومنهجه فتبرءوا علانية من حركته الشبيبة الإسلامية، وأعلنوا تأسيس الجماعة الإسلامية سنة 1981 وهي نفس السنة التي تعرضوا فيها للسجن مدة تزيد عن شهرين دون محاكمة، ولم يجدوا حرجا في أن يعلنوا في بيان على لسان بنكيران من داخل السجن الطلاق التام مع تجربة الشبيبة، ولم يقع العثماني ورفاقه -كما وقع نظراؤهم في بلاد أخرى- في خطأ المراوغة، وعدم الوضوح والحسم في إدانة العنف.
لم يضيع العثماني الوقت بعد خروجه من السجن فعكف على إعداد "ميثاق الجماعة" وكرس جهده لتأصيل التوجه الجديد الرافض للعنف والقطيعة مع المجتمع، ويبدو أن ما لحق باسم الجماعة الإسلامية في أكثر من بلد من تهم بالحق والباطل كان سببا في تغيير اسمها عام 1991 لتصبح "حركة الإصلاح والتجديد"، ثم "حركة التوحيد والإصلاح" بعدما توحدت مع رابطة المستقبل الإسلامي سنة 1996 وهي الوحدة التي كان من أبرز مهندسيها.
كما يذكر للعثماني أنه كان من أبرز مهندسي الانتقال الآمن بالحركة الإسلامية من العمل الدعوي الفكري إلى العمل السياسي المباشر، فقد كان ممن قادوا الاتفاق مع الدكتور عبد الكريم الخطيب لاحتضان حزبه (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية) لأبناء الحركة الإسلامية، وحين عقد المؤتمر الاستثنائي للحزب سنة 1996 اختير العثماني عضوا بالأمانة العامة، ثم عين مديرا للحز ب سنة 1998، وانتخب في المؤتمر الرابع سنة 1999 نائبا للأمين العام قبل أن يتم انتخابه بعد أربع سنوات من ذلك أمينا عاما للحزب بأغلبية مطلقة المؤتمر الخامس الذي عقد في إبريل 2004. وكان العثماني صاحب جهد بارز في إقناع الإسلاميين بجواز التحول للعمل السياسي فضلا عن جدواه، ولم تزل الحركة تذكر له -عام 1997 عندما كانت تتأهب لخوض أول انتخابات رسمية- كتابه "فقه المشاركة السياسية عند شيخ الإسلام ابن تيمية" الذي كان له ولمقالاته "الفقه السياسي والفقه الدعوي" تأثير بالغ الأهمية في تأصيل هذا التوجه ودعمه ضد أجنحة أخرى بالحركة كانت رافضة للعمل السياسي الحزبي.
وفي كل هذه الانتقالات والتحولات والتحالفات استطاع العثماني بهدوئه وقدرته على التحكم في انفعالاته أن يبقى صديقا لرفاقه القدامى في الإصلاح والتجديد، وأن يحافظ على علاقات متينة مع القادمين من رابطة المستقبل الإسلامي، وأن يستوعب الحزبيين من خارج الحركتين على رغم الخلافات الحادة بين هذه الأجنحة والتيارات، وقد ظهر ذلك واضحا في فوزه المكتسح بانتخابات الأمانة العامة التي حصل فيها على 1268 صوتا من أصل 1595 في حين لم يحصل رفيقه عبد الإله بن كيران إلا على 255 صوتا فقط، فقد بدا أن الرجل موضع إجماع من الفرقاء الإسلاميين، ومحل قبول من فرقاء المشهد السياسي والحزبي الذين اقتنعوا بأصالته في العمل السياسي فلم يروا فيه طارئا على المسرح السياسي ككثير من الإسلاميين الذين ما زالت صورتهم في الحياة الحزبية كدراويش لحقوا بقطار السياسة في عربته الأخيرة.
قدم في الأصالة وأخرى في المعاصرة
العثماني طراز مختلف عن معظم القيادات الإسلامية الحركية والتقليدية، فهو له في الحداثة قدم وفي التقليد وعلوم الدين أخرى، نال العثماني تعليما مدنيا، مثل بقية قيادات الحركات الإسلامية، فتخرج في كلية الطب، وعمل طبيبا نفسانيا بمستشفى الأمراض النفسية بمدينة برشيد قبل أن يتفرغ لعمله كبرلماني منتخب عن دائرة إنزكان منذ 1997 إلى الآن، ومارس دورا في العمل العام والمدني، تميز به عن القيادات الدينية والتقليدية غير المدنية التي يعج بها المجتمع المغربي، لكنه ظل في الوقت نفسه حريصا على أن يمد قدمه الأخرى لعلوم الشرع في بلد تأسست السياسة فيه على أساس من الشرعية الدينية، فنال الإجازة في الشريعة من كل الشريعة بأيت ملول عام 1983 أثناء دراسته للطب، ثم حصل على شهادة الدراسات العليا في الفقه وأصوله من دار الحديث الحسنية سنة 1987، ثم تحصل على دبلوم الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وكانت أطروحته تحت عنوان: "تصرفات الرسول -صلى الله عيه وسلم- بالإمامة وتطبيقاتها الأصولية"، واستمر عطاؤه في المجال الديني قدما مع عمله السياسي وتخصصه المهني، فهو عضو المكتب التنفيذي لجمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية، وعضو مكتب مؤسسة الحسن الثاني للأبحاث العلمية والطبية حول رمضان ومسئول اللجنة الشرعية بها، والمدير المسئول لمجلة "الفرقان" الثقافية الإسلامية، وصاحب حضور جيد في الأوساط الدينية والثقافية المغربية يتجاوز حضوره كسياسي.
باختصار، فإن العثماني يمتاز بين السياسيين بتكوينه وحجته الدينية، ويمتاز بين الشرعيين بتكوينه الحداثي وله في كل معسكر قدم.
وضوح الرؤية والطريق
أهم ما في سعد الدين -وهو ما يمكن تعميمه على غالبية رفاقه- وضوح الهدف والغاية وعدم التشتت في الطريق والقدرة على الحسم دونما الركون إلى ترف التأجيل ذلك الذي اعتاده كثيرون من الإسلاميين خاصة حين يغازل التأجيل نزق وجموح الجماهير، والسبب في رأيي أن سعدا ورفاقه مسيسون بالفطرة ضالعون في السياسة وليسوا هواة، وهو ما ساعدهم على حسم الموقف من أكثر الأمور التباسا في المشهد السياسي المغربي، وكان الحسم في الغالب عبر رؤية إستراتيجية مدروسة وليس رهنا لردود الفعل.
انحاز سعد وجماعته لخيار دعم الدولة والدستور والحفاظ على أركانها الراسخة وفي مقدمتها الملكية المؤسسة علي شرعية دينية باعتبارها الضامنة لوحدة التراب المغربي والضامنة لثباته على هويته وقيمه الدينية، وتنبه سعد وجماعته مبكرا لخطورة الدخول مع النظام في صراع على المرجعية الدينية أو محاولة سحبها منه لدى الشارع وعيا بأن الرابح في هذا الصراع خسران، وأن المصلحة منه ستصب لتيار التغريب والعلمنة، وميز العثماني وحزبه بين الخلاف مع شخصيات وتيارات متنفذة وفاسدة في النظام والدخول في صراع مع الأسس والثوابت التي تقوم عليها الدولة المغربية ذاتها، فجاوزا بذلك النزق السياسي وروح الصدام التي غلبت لسلوك الإسلاميين السياسي.
وكان لافتا ذلك التفاهم بين الحركة وبين المؤسسة الدينية الرسمية والتأكيد على التوافق معها في الأسس الثلاثة المستقرة: المذهب المالكي في الفقه، والمذهب الأشعري في الاعتقاد، والتصوف السني على طريقة الجنيد، وهو ما منع عن الحركة كارثة التورط في شذوذ وصدام مع المزاج الديني العام والمستقر لدى المغاربة جميعا، وهو ما وقع فيه تيار السلفية الجهادية الذي صادم حتى طريقة المغاربة في الملبس والطعام رغم أنها جزء من الشخصية المغربية.
وفكك سعد الدين لغم العلاقة مع الدولة الذي انفجر في وجوه غيره، وفكك معه لغم العلاقة مع الخارج والغرب عموما الذي ما زال عصيا على الحركات الإسلامية الأخرى، فرغم تأكيد الانحياز التام لقضايا ورهانات الوطن والعالم العربي والإسلامي فإنه استطاع إدارة علاقة متميزة ومتوازنة مع الخارج نزع منها مبررات القلق الغربي من الحضور السياسي للإسلاميين واحتمال صعودهم سلم السلطة، يكفي أن نعرف أن العثماني هو أكثر زعيم سياسي مغربي له علاقات سياسية، وحضور كثيف لدى أسبانيا صاحبة المصالح والصراعات المحتدمة مع المغرب، ولا تنقطع زياراته لها ولقاءاته مع ألوان الطيف السياسي بها.
بعيدا عن مأزق النخبة
سعد الدين العثماني هو من طراز من السياسيين استعصوا على الذوبان في النخب السياسية التي انفصلت نفسيا وشعوريا عن المزاج العام للشارع وطبع الناس، فظل محتفظا بقدرة على التفاعل والتواصل حتى مع أبسط مفردات الشارع ومكوناته، دون أن يفقد بوصلة طريقه.
تحكي لي زميلة صحفية بالمغرب أن عشرات الصحافيين والمراسلين توافدوا على سعد الدين ليلة الانتخابات التشريعية لعام 2002، فاستقبل كل صحفي على حدة بحفاوة واحترام، وأعطى لكل سائل جواب، وخرج الصحفيون وكل واحد يعتقد أنه حصل على تصريح خاص به ومتميز عن بقية زملائه، لكي يفاجأ الجميع بتطابق التصريحات التي نشرت في مختلف المنابر الإعلامية كأنها صدرت في وقت واحد، لهذا السبب يصفه بعض رفاقه داخل الحزب بأنه يتقن لغة الخشب حين يحتاج إلى استعمالها، فهذا الأمازيغي الهادئ لا يقول إلا ما يريد قوله، واستفزازه ليس مهمة سهلة، كما أن الرهان عن تخليه عن ابتسامته العريضة حتى عندما يحاور خصومه رهانٌ خاسرٌ.
تواعدت على لقائه فتهت في الطريق إلى موعدنا بمقر الحزب؛ فإذا بالرجل يأتيني بسيارته بعد عناء البحث.. ولفت نظري بساطته وسلوكه الراقي مع الموظفين والعاملين في الحزب.. كان يتنقل بي في غرف وأدوار المقر يعرفني بها بكل ود وبابتسامته التي لا تفارقه ومجاملاته التي يوزعها على الجميع بالتساوي.
قضيت معه قرابة الساعتين في نقاش لم يكن يقطعه إلا أكواب الشاي المغربي التي كان يصر على ملئها وتقديمها بنفسه، وحين انتهينا أصر على توصيلي بنفسه بعدما أدينا صلاة المغرب، وكان في طريقه لحضور حفل مع لفيف من الدبلوماسيين العرب والأجانب، تأخرنا في زحام الطريق، فاستأذن أن يقطع بقيته سيرا على أن يقوم السائق بتوصيلي لمقر إقامتي وودعني بحرارة تفتقد صدقها مع غيره من السياسيين.
تجاذبت الحديث مع سائقه الشاب الأمازيغي الريفي الذي بدا حديث عهد بالمدينة والمدنية، وفي الأخير سألته كيف يرى سعد الدين فأجاب وأمارات الطيبة والبداوة على وجهه: هو مثل أبي ولولا ذلك ما أكملت العمل معه يوما واحدا.. فأنا لا أعمل إلا عند من أحب!
الدولة المغربية أو "المخزن" في لحظة فارقة، والمغرب كله يعيش مخاض التغيير، وفي كل يوم يمر تحرق واحدة من قوى سياسية تقليدية في أتون حكومات التناوب التي جاءت لتضع هذه القوى أمام مرآة الحقيقية. وحدهم الإسلاميون الذين لم يختبروا بعد فظل الأمل معقودا عليهم، وكل المؤشرات تقول بأن التناوب القادم لمصلحتهم وهم في الأخير لا يهددون ثوابت اللعبة السياسية بقدر ما سيضخون دماء جديدة أكثر حيوية في جسد دولة تحتاج لتجديد لا يجاوز طاقتها، ولا يخرق سقف المعادلة والتوازنات الداخلية والخارجية التي ارتهنت بها وأجادت الحفاظ عليها، وهذا ما يقدمه إسلاميو العدالة والتنمية بقيادة سعد الدين العثماني.

حسام تمام