الإثنين, 12 تشرين1/أكتوير 2015 15:54

ندوة قراءة علمية في أطروحة "الدولة المدنية في ظلال مقاصد الشريعة الإسلامية" للدكتور سعد الدين العثماني

ندوة قراءة علمية في أطروحة "الدولة المدنية في ظلال مقاصد الشريعة الإسلامية" للدكتور سعد الدين العثماني

في إطار الأنشطة العلمية التي دأبت عليها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث من   خلال ندوات ومحاضرات ومراجعات علمية لمجموعة من الكتب التي تزخر بها المكتبة العربية والعالمية، استأنفت المؤسسة يوم الجمعة الموافق لتاسع أكتوبر من العام 2015،موسمها الثقافي بقراءة حول أطروحة الدكتور سعد الدين العثماني الموسومة ب: "الدولة المدنية في ظلال مقاصد الشريعة الإسلامية"، وذلك بحضور الدكتور صاحب الأطروحة شخصيا، وبمساهمة عدد من الأساتذة الباحثين من تخصصات علمية مختلفة، بأوراق تحليلية-نقدية لهذه الأطروحة.

في بداية كلمته توجه الدكتور سعد الدين العثماني بالشكر لمؤسسة مؤمنون بلا حدود التي أتاحت له هذه الفرصة، ليناقش مع مجموعة من الأساتذة الباحثين أطروحته التي هي في الأصل مشروع كتاب، أكد أن ما سيسمعه من تحليلات وانتقادات من طرف المتدخلين ستساعده على تطوير أفكاره وتجويدها قبل نشرها.

بعد ذلك، انطلق من تحديد ما يقصده بالدولة المدنية، باعتبارها الدولة المجسدة للإرادة العامة للناس، وتحتكم للقوانين وليس لأهواء الحكام، وتستند لمفاهيم المواطنة والتعاقد والديمقراطية، مبينا أنه سيعالج هذا المفهوم من خلال المحاور التالية:

- مدنية المجال الدنيوي في الإسلام

-  مدنية الممارسة السياسية في الإسلام

- مقاصد الشريعة ودورها في مدنية الدولة

وفي طرحه لهذه المحاور، دافع الدكتور العثماني على أطروحته القائلة بالتمييز بين الديني والسياسي، منطلقا من مسلمة أساسية، وهي أنها مجرد تجربة تاريخية قد مرت وانتهت، وأن مفهوم الدولة الإسلامية  الذي  شاع استعماله في العصر الحديث للتعبير عن نموذج الحكم السياسي، والذي يفترض أنه يحقق المقصود الشرعي، مجرد مصطلح جديد، لا يعبر عن "حقائق دينية أو شرعية"، ولكن يعبر عن تصور المسلمين حول ما يتوقون إلى أن يكون عليه واقعهم، وهو مجال للاختلاف والتعدد بين المسلمين، بحسب العصور والأقطار، خاصة أن البناء السياسي قد تغير بشكل جذري، وأضحت سياقات الفكر السياسي التقليدي اليوم متجاوزة. فمع نشوء الدولة ذات الحدود الجغرافية، أصبح من الضروري  تجاوز"الدولة الجامعة" بمختلف مسمياتها، والمطابقة لأمة العقيدة، من أجل التأسيس لفكرة الدولة بمفهومها المعاصر.

وتبعا لذلك، لم تعد في نظر العثماني، "جنسية المسلم عقيدته"، لأن جنسية الفرد – مسلما أو غيره - دولته التي ينتمي إلى ترابها. ومن غير الممكن إعادة استنبات الواقع السياسي القديم من جديد؛ فالوضع العالمي استقر على قواعد جديدة.

هكذا يرفض العثماني رر\بسبب الخلط بين الطاعة الدينية والطاعة السياسية؛ فالطاعة الدينية لا تكون إلا لله ورسوله، بذلك وردت الآيات القرآنية الصريحة، ولا تكون لأحد بعدهما؛ فهما مصدر التشريع الديني دون منازع. أما الطاعة السياسية، فلها منطق مغاير؛ فهي مبينة على تعاقد يكون في المجتمع برضى أبنائه واختيارهم الحر. والهدف منه رعاية مصالح المجتمع وحفظ استقراره. ولا تختلف في شيء عن مفهوم "الطاعة" للمؤسسات المنتخبة والمسؤولين عليها في الفكر القانوني المعاصر. وحدود هذه الطاعة، وكونها لا تتعلق بعقيدة الفرد ولا بالتزاماته الدينية، تعرف النقاش نفسه تقريبا في كتابات الفقهاء والمنظرين المسلمين، وفي فقهاء القانون المعاصرين.

إن هذا التمييز  بين هاتين الطاعتين لا يعني فصلا تاما بين الديني والسياسي، بل هو تمييز  بينهما، ويجد سنده الشرعي عند العثماني في أن العلماء، مثل ابن تيمية والعز بن عبد السلام والشاطبي، قسموا مجالات عمل الإنسان إلى مجال "عبادي" أو تعبدي ومجال عادي، لكل منطقه ومنهج تعامل المسلم معه.  وفي هذا الإطار ، قدم مجموعة من الأدلة على أن النصوص الشرعية لا تتضمن في الأمور المرتبطة بالحكم والدولة وتدبير الشأن العام، لا تتضمن إلا مبادئ عامة وموجهات يطلب من المسلمين أن يجتهدوا في إطارها، وأن يبدعوا أوفق السبل لتحقيقها، وكيف أن التجارب التاريخية للمسلمين بعد الرسول ليست – بالتالي - إلا فهما لتلك المبادئ وتطبيقا لها، وليست ملزمة لأجيال المسلمين بعدهم.

لذلك، فإن الأوفق، في نظر العثماني، الاعتراف بأن النظام السياسي الذي يبنيه المسلمون هو بناء بشري اجتهادي يبدعونه وفق ظروفهم وحاجتهم، وهو بناء محايد في أصله، يمكن أن يتقاسموه مع غير المسلمين من الوطن نفسه، أو يقتسموا نموذجه مع مجتمعات أخرى.

وبعد انتهاء الدكتور سعد من مداخلته، تناول الكلمة، الدكتور محمد بنصالح ،الأستاذ الجامعي، الذي قدم لورقته  بتساؤل عن "ما بعد الدولة المدنية؟" ونحت نحو فتح أفق التفكير في ما بعد سؤال المواءمة بين الإسلام و"الدولة المدنية"، متفاعلة مع أطروحة "الدولة المدنية في ظل مقاصد الشريعة" من خلال مداخل معرفية توزعت بين المنهاجي والمفاهيمي ، والسياسي والتاريخي والمقاصدي، إذ نوّهت إلى أن الأطروحة تندرج في إطار "فكر المراجعات" الذي عبّرت عنه بعض الكتابات في الصفّ الإسلامي بشأن مواقفها من مفاهيم طالما اعتبرت أسلحة للغزو الفكري والمسخ الثقافي، باعتبار أنها تتموضع في سياق تجاوز رؤية الإسلاميين التقليدية لما يسمّى بالدولة المدنية، والتي أنتجت في سياق الاستجابة للتحدي الكولونيالي والتفاعل مع ما سمي صدمة الحداثة، والتي ازدادت حدّة مع سقوط ما كانت تعتبره الذاكرة الجمعية في عديد المناطق العربية "دولة الخلافة الإسلامية".

ونوّهت مداخلة الأستاذ بنصالح إلى أن ما يطرحه الأستاذ سعد العثماني بخصوص التمييز بين الديني والدنيوي، من خلال التمييز بين تصرفات النبي (صلعم) الدينية وتصرفاته الدنيوية، ليس جديدا في الفقه السياسي السني الذي طالما ميّز بين وظيفة الأمير ووظيفة الفقيه، وإنما هو جديد في البنية الفكرية للتيارات السياسية الإسلامية التي جعل بعضها وظيفة الجماعة السياسية للمرشد أو الشيخ أو أمير الجماعة. ومن ثمة، تكتسب هذه الأطروحة أهميتها وجدارتها بأن تكون محورا للنقاش حولها واستئناف النظر فيها.

وبعد أن عدّد أسباب المواقف المتشنجة والمتضاربة من "الدولة المدنية"، أشار الأستاذ بنصالح إلى أن افتراض انتماء الدولة المدنية إلى حقل السياسة الغربي بُني على غير أساس، فالدولة المدنية مصطلح عربي لا أثر له في الفلسفة السياسية الغربية أو في تاريخ الفكر السياسي الغربي، فهو غير "المدينة- الدولة" أو "الدولة-المدينة" التي عرفتها الحياة السياسية في اليونان القديمة. أما مفهوم الدولة المدنية، فلم ينتظر الموجة الأولى من الربيع العربي، ليطفو على سطح النقاش السياسي بخصوص مستقبل الدولة في العالم العربي، وإنما تردّد منذ عقود كردّ فعل على الخوف من حكومات عسكرية بعد ما سمي بثورة الضباط الأحرار  في مصر، وما تلاها من انقلابات عسكرية في العالم العربي، ثم كردّ فعل على ما سمي بالثورة الإسلامية في إيران وما حملته من خوف من الدولة الثيوقراطية بعد تصدر الموالي للمشهد السياسي الإيراني، ورفع شعارات تصدير الثورة إلى الجوار العربي.

أما في الغرب، فلا تنظير لدولة بهذا المسمى، فالترجمة الحرفية للدولة المدنية إلى الفرنسية تجعلنا أمام معنى آخر، هو الحالة المدنية "l'état civil"، وهو مفهوم لا علاقة له بالسياسة، وإنما معناه وضعية الشخص العائلية والاجتماعية. أما الشكل الحديث للدولة، فهو دولة القانون "l'Etat de droit"، أو "The rule of law" أي حكم القانون أو سيادة القانون، وقد ظهر المفهوم في ألمانيا القرن الثامن عشر "Rechtsstaat"، وكان كانط هو أول من نحته ونظّر له، وحتى مقالة جون لوك "في الحكم المدني" التي جاءت في سياق ما سمي بالثورة المجيدة في إنجلترا كانت تنحو هذا المنحى.

وخلص الأستاذ محمد بنصالح إلى القول بأن الدولة المدنية ابن شرعي للبيئة العربية وفرصة ذهبية للخروج من دجى كثير من المدلهمات، بخاصة وأنها تكسر الحواجز النفسية مع أنماط الدولة المروج لها أيديولوجيا منذ عقود، على اختلاف التيارات والأيديولوجيات، كما أنها تتوافق مع مقاصد الشرع والقيم الإنسانية المشتركة، باعتبار أن الموافقة الشرعية تكون على ضربين: الموافقة بمعنى المطابقة (وهذا في مجال العبادات) والموافقة بمعنى عدم المخالفة، أي عدم مخالفة الأصول والمقاصد الكلية (وهذا ينطبق على العادات والمعاملات)، لافتاً إلى أن ما يحقق المقاصد الكلية مطلوب شرعا، وأن كل النظم القانونية والسياسية التي تدير شؤون الناس وتدبّر اختلافاتهم، يمكن تصنيفها في المصالح المرسلة، وداعياً إلى الترفع على الحسابات الضيقة والمزايدات الأيديولوجية  من خلال السعي الجماعي إلى النظر في دوائر المشترك التي تجعله قادراً على الاشتغال في المجال السياسي العربي، وإلى المضامين التي ينبغي أن تصب في قالبه لجرّ السفينة إلى برّ الأمان وسط هذا الدمار الذي يكاد يعم جل الأرجاء على امتداد صدى لغة الضاد، بخاصة وأن مسألة مدنية الدولة صارت أمراً محسوما بين معظم الفرقاء السياسيين في مرحلة ما بعد الموجة الأولى من الربيع العربي، ولذلك، يمكنها أن تشكل الطريق الثالث بين الدولة العلمانية والدولة الدينية، شريطة أن تخضع لنقاش مجتمعي ينبثق عنه تعاقد اجتماعي يجعل هذه الدولة ذات محتوى ومعنى. وهذا ما لن يتم، وفقاً للدكتور محمد بنصالح، إلا بالإجابات الناضجة عن الأسئلة الحارقة من قبيل: كيف تنزّل الدولة المدنية في تشريعات وقوانين؟ وكيف يُضمن اقترانها بالديمقراطية وسيادة القانون؟

بعد ذلك، تناول الكلمة الدكتور المختار البنعبد اللاوي، أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني الذي سجل بعض الاحترازات المنهجية المتعلقة بما تطرحه مثل هذه القراءات من صعوبات منهجية ومعرفية خاصة. يجد الباحث الذي ينجز القراءة تفسه أحيانا أمام خيارين؛ يطرح كل منهما عددا من الصعوبات: إما أن يقيم العمل انطلاقا من مرجعيته الشخصية، وهنا سوف يمارس نقدا مرجعيا سهلا، وغير موضوعي أو أن يسائل الورقة انطلاقا من مرجعياتها، وهذا ما يجعله في حالة تعارض مع منطلقاته.

   ولتفادي هذين الموقفين؛ اختار الأستاذ البنعبد اللاوي أن يستند إلى بعض الاحترازات المنهجية والمعرفية التي تمكنه من تخطي بون المرجعيات، والتعاطي مع العمل في إطار احترام حقله المعرفي، مع ترك المسافة الضرورية معه، للخروج بخلاصات متوازنة وذات مصداقية؛ من بين بعض أهم هذه الضوابط:

ـ حصر الموضوع ضمن حقله المعرفي الخاص (الدولة المدنية)

ـ النقد المفاهيمي: أي التمييز بين المفاهيم التي يجري بها العمل في مجال الشريعة، وتلك المعتمدة في حقل مجال العلوم الإنسانية.

* اتسع الحديث عن نموذج "الدولة المدنية" بين عدد من الباحثين؛ لكن هل يحمل هذا التصور المعاني نفسها بالنسبة إلى الجميع! إن هناك حاجة إلى الوضوح النظري، وإلى تحديد المعاني التي نقصدها بالنسبة إلى عدد من الموضوعات والمفاهيم.

ـ تاريخانية المفاهيم والتصورات: لا يدعي الباحث أن دولة المدنية كانت موجودة في التاريخ العربي الوسيط، ولكنه يقول إنه ليس هناك في الإسلام ما يتعارض معها. مع ذلك، فإن هذه الإمكانية تطرح تساؤلات كبرى حول العلاقة مع مفاهيم مجاورة أو متقاطعة في حقل السياسة الشرعية، مثل: الخلافة، الإمامة أو المجتمع، مثل: الدنيوة Secularism والعلمانية Laicité أو حتى النص (الكتاب والسنة والاجتهاد) فيما يخص وضعية الرسول الدينية والقضائية والسياسية.

   المزية الأساسية لهذه الاحترازات، حسب الباحث،  أنها تحيد بنا عن التراشق الأيديولوجي غير البناء، وتوفر إمكانية ضبط استعمالات المصطلح في مجالي: العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية،كما أنها تؤسس لحوار يمكن أن يحقق تراكما، ومراجعة للتصورات والمواقف المسبقة.

وبعد هذه الاعتبارات المنهجية، انتقل صاحب الورقة إلى بيان أن د. سعد الدين العثماني قد ركز على مسألتين في عملية نحت تصور إسلامي للدولة المدنية، وهما:

ـ التمييز بين الأفعال الدينية المستلهمة من الوحي، وهي المطلقة، والتي تتسم بالعصمة، والأفعال السياسية القائمة على معايير المصلحة، والقابلة للمراجعة والتطوير في الزمان والمكان.

ـ استلهام مقاصد الشريعة، والمقصود بها حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، واعتبارها المرجع الأساسي للاجتهاد والتجديد

   وإذا أخدنا، يقول الدكتور المختار، بعين الاعتبار أن المحك في أفعال الرسول هي القرآن والحديث والسيرة، وأنها تمثل المرجعية الأساسية في استلهام مقاصد الشريعة، ندرك أننا أمام مشروع تأويلي يتطلع إلى قراءة النص، انطلاقا من مقترب جديد. نحن نسير فيه على نفس الخطى التي سار عليها الغرب، والتي تتمثل في الحقيقتين التاليتين:

ـ أن القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية ذات المرجعية الدينية هي التي باشرت عملية الإصلاح في الغرب، وذلك لسببين اثنين:

*  أنها تتمتع بالمعرفة وبالمصداقية المطلوبتين لمباشرة هذه العملية، فالدراسات العلم إنسانية تتوفر على المعرفة الضرورية لممارسة هذا النقد، ولكنها لا تحظى بالاعتراف الضروري من طرف المتدينين، مما جعل هذا الأثر ينحصر في البعد النظري دون التأثير على السلوكيات والقيم الدينية.

*  أنها صاحبة مصلحية فعلية في تحقيق هذا التجديد الديني لملاءمة أنماط التدين مع تصوراتها وبرامجها السياسية

ـ أن التأويل هو الأداة الأساسية للقيام بعملية إعادة القراءة، فهو من جهة يحافظ على العلاقة مع النص، لكنه يتجاوزها من جهة ثانية

ـ يؤشر هذا التوجه، في نظر المتدخل دائما،  على ارتفاع رصيد العقلانية لدى الفاعلين السياسيين، فهو يقتضي من جهة أن يعترف التيار المديون بحق أصحاب المرجعية الدينية بالمشاركة في الحياة السياسية، كما  يقتضي أن يعترف أصحاب المرجعية الدينية بحق جميع المكونات السياسية في الاعتقاد والتعبير والممارسة،  وهو ما تطلب حدا أدنى من الحلم Tolerance(وليس التسامح) الذي يسمح بنشوء عدد من القراءات الموازية للنص الديني، التي تتمتع بقدر من القبول أو حتى التغاضي، في ضرب من التعايش مع القراءة الرسمية المعتمدة. كما يتطلب هذا المستوى من الممارسة السياسية حصول تطور في فلسفة اللغة، وفي المؤسسات السياسية، حيث يستطيع الجميع ولوج المجال العمومي،وإعادة قراءة النصوص الدينية بحرية، عبر إعادة تنظيم العلاقة بين اللفظ والمعنى، وإعادة ترتيب سياق النص الديني مع السياق الحي والمتجدد.

   هكذا يلاحظ الدكتور المختار أنه تترتب على انتعاش مثل هذه القراءات آثار إيجابية على المجتمعات العربية، خاصة في الظروف التي نعيشها، ومن بين هذه النتائج:

   ـ كسر الطوق الخانق الذي كرسته القراءات التأصيلية التي تعتمد مقاربة ظاهرية (أرثوذكسية) للنص، والخروج به وظيفة التحريم، ومن الدخول إلى التفاصيل الدقيقة، إلى إفساح مجال أوسع للعقل وللفعل الإنساني.

   ـ خلخلة التمترس السني الشيعي وراء خندقي الخلافة والإمامة، وفق المقتضيات التراثية، ووضع جانب واسع من معيش الإنسان، ومن مصيره بين يديه.

   ـ زعزعة الرؤية التقليدية الإخوانية التي تقوم على فكرة الشمولية: أي أن الإسلام ليس عقيدة فحسب، ولكنه نظرية سياسية واقتصادية وأخلاقية... وأن الدولة ركن من أركان الدين.

   ـ إفساح المجال أمام دنيوة secularism صاعدة يكون فيه الدين ملكا للمجتمع، وينحصر دور الدولة في تدبير التعدد الديني، واحترام حرية العقيدة والضمير.

وفي الأخير ، تناول الكلمة الدكتور حسن طارق أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستور بجامعة الحسن الأول في ورقته ما يمكن إيجازه في بيان أن الدكتور سعد الدين العثماني قد انطلق  في سلسلة مقالاته، من الحرص على التأصيل الشرعي لقاعدة التمييز الواضح بين أمر الدنيا وأمر الدين، مرتكزا  بمنهجية المماثلة المنطقية على التمييز بين الديني والدنيوي،كرافعةٍ مناسبة للدفاع عن التمييز بين الديني والسياسي، اعتمادا على اندراج السياسة ضمن "عاديات" المجال الدنيوي ،وانطلاقا من تعريف علماء الإسلام أنفسهم للسياسة الشرعية ،ومن التمييز بين تصرفات الرسول السياسية عن التشريعية /الدينية.

 وبعد التأسيس المنهجي لتمثل المجال السياسي كمجالٍ للممارسة المدنية وللمقاصد، يستعرض الكاتب، يقصد سعد الدين العثماني،  مستندات اعتبار الدولة في الإسلام دولة مدنية ،انطلاقا من كون الدولة أعلى مستويات الاجتماع السياسي .

تؤكد قراءة هذه النُصوص، انخراط د. العثماني في صف الدفاع على خِيّار التمييز بين الدين والسياسية ،كأطروحة ثالثةٍ  تقف على مسافة من أطروحة الإسلام دينٌ ودولة ،ومن أطروحة الفصل بين الدولة والدين، وهو اتجاهٌ يُساهم في التأسيس له رُفقة عديد المفكرين،مثل ،د. محمد عمارة ،د .محمد سليم العوا ،ذ. راشد الغنوشي ،د.رفيق عبد السلام ... 

واذا كانت هذه المقالات التي تنتصرُ، في نظر حسن طارق،  منهجياً للتأصيل الإسلامي لفكرة الدولة المدنية،  فإنها تبدو  بعيدة عن الاستعمال السياسوي والتكتيكي للخطاب حول مدنية الدولة من طرف بعض القوى "الإسلامية " ، والذي ساد في لحظة ما بعد انفجارات 2011،مُنتجاً في حالات كثيرة مفاهيم هجينة حول الموضوع . 

إن ما يُمكن تسجيله هنا ،هو أن هذه الأطروحة المنتصرة لمدنية الدولة ،تبقى جد متقدمة مع التوجهات الفكرية السائدة حتى داخل العائلة الأيديولوجية للكاتب ،ولعل أبرز مثال على ذلك موقف الأستاذ أحمد الريسوني ،والذي يكاد يطابق بين الدولة المدنية والدولة اللادينية .

والمؤكد ، في نظر حسن طارق، أنه على المُستوى الفكري والنظري ،فإن مُساهمة د.العثماني ،لا تحمل الكثير من الجِدّة، خاصة عندما نستحضر ما كُتب حول "العلمانية الجزئية " أو "الدين العلماني "،لكن القُبّعة الحركية للكاتب ،تمنح لأطروحته أفقاً واسعاً ضمن مُمكنات تجديد الفكر السياسي الإسلامي ،من زاويتي  البحث عن المُشترك الإسلامي /العلماني ،و الاشتباك مع أفكار الحداثة السياسية ؛وهو ما يطرح الكثير من الأسئلة، حسب اعتقاد الدكتور حسن طارق، حول الآثار التي قد يصنعها تلقي هذه الاجتهادات المُعتبرة ،داخل الحركة الإسلامية ،خاصة في تمثلها للعلاقة المعقدة بين الديني والسياسي ،كما أننا لا نستطيع أن نعرف ما إذا كانت هذه الرؤية المبنية على التمييز الواضح بين الديني والسياسي ،قد تؤثر على تصور قطاع واسع من الإسلاميين المغاربة لطريقة تدبير النظام السياسي نفسه للعلاقة بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية والدستورية ؟.