الأربعاء, 15 نيسان/أبريل 2015 12:17

البيعة والدستور.. جدل المبنى والمعنى

عرفت مدارس الفقه الإسلامي باستمرار النقاش حول علاقة النص الشرعي بمقاصده ومقاصد الشرع العامة، والتفاعل بين المقصد وشكل التطبيق، بين المعنى والمبنى، ما بين مائل إلى جهة ومائل إلى أخرى ومتوسط بينهما. لكنهم نأوا في الغالب عن التمسك بالأشكال التي تم بها تنزيل مبادئ وأحكام الدين أول مرة عندما لا تكون تلك الأشكال مقصودة. وذهبوا في عمومهم إلى الأخذ بالقاعدة الأصولية المعروفة (الأصل في العبادات التعبد، والأصل في العاديات الحكم والمقاصد)، وقاعدة (العبرة بالمعاني لا بالمباني). وقد نما الاتجاه المقاصدي عبر القرون واستوى على سوقه، وانتهت الإمامة فيه، من بين آخرين، إلى أبي إسحاق الشاطبي، وهو الذي توسع في تأصيل وتفريع القاعدة الأولى. وليس الاتجاه المقاصدي إلغاء كليا لأشكال تطبيق الدين، بل هو اتجاه يصون الأشكال حيث تكون مقصودة، ويستغني عنها حين تكون غير مقصودة شرعا. فأحكام الوضوء الأصل فيها التشبث بطريقة أدائها وليس أي مقصد آخر، مثل النظافة الجسدية. والتيمم، وليست فيه نظافة حسية، يقوم مقام الطهارة بالماء، فهو واجب كما هو إذا تحققت شروطه.

والعمل السياسي وآليات بناء الدولة يدخل لدى شرائح واسعة من العلماء في "العاديات"، والتشبث فيها يكون بالمبادئ والمقاصد والمعاني لا بالأحكام الجزئية وأشكال التطبيق الأولى التي تجوزت بفعل الزمن وتطور الحياة. وجميع العلماء والمفكرين المسلمون متفقون على أنه ليس هناك في الإسلام شكل معين لبناء الدولة وممارسة وظائفها وطرق تداول السلطة فيها.

لقد أبدع القدماء مثلا فكرة "أهل الحل والعقد" لممارسة الشورى، وكان لها دور في قرون مضت، واليوم أبدعت البشرية البرلمانات لممارسة الديمقراطية. والاتجاه العام بين المسلمين اليوم لم يعد يرى في (أهل الحل والعقد) إلا شكلا تاريخيا أدى دوره في سياقات حضارية معينة، ولم يعد له اليوم مكان، إذا حافظنا على جوهر العملية الشورية المنافية للاستئثار بالسلطة. وأكثر من ذلك، لم يعد هناك من يرى أن يتساكن النموذجان، فنحتفظ ببرلمان إلى جانبه هيئة تسمى أهل الحل والعقد، لأن الجميع مسلم بأن هذا هو ذاك في معناه العميق، وإن اختلفت الأشكال والظواهر. والسبب في ذلك منع وجود مجالين مختلفين يتنازعان: مجال تقليدي يخضع لمعايير خاصة، ومجال حديث وقانوني، تحدث لكل منهما مؤسسات خاصة به.

واليوم، يتجدد لدى بعض النخب مع النقاش الدستوري في بلادنا الكلام عن البيعة ودسترتها.

وإذا تمعنا في الموضوع، تبين أن البيعة إنما هي شكل تاريخي، وجوهرها تعاقد بين الأمة والحاكم يقوم على إرادة حرة ومستقلة وواعية. وقد تطور الفكر السياسي الإنساني اليوم بالاتفاق على وضع دساتير مكتوبة. فإذا وافقت عليه الأمة، ونص على طريقة لانتقال السلطة، فهي المحققة للمراد الشرعي، وهو تغير في الشكل وثبات في المضمون، على أساس أن الوثيقة الدستورية هي ميثاق للتعاقد. لكن هل نحتفظ بالشكلين معا؟ أم نضحي بالتقليدي لصالح الحديث؟

إن للأمم والشعوب مسارات مختلفة، وفي الساحة اليوم ببلادنا رأيان:

الرأي الأول، يذهب إلى الاستغناء عن الشكل التقليدي والانحياز للنموذج الحديث رأسا، حذرا من التشويش والاضطراب في الفهم، ومنعا لضياع المقاصد والمعاني مع تعدد الأشكال.

والرأي الثاني، يذهب إلى الحفاظ على الشكل التقليدي، أي البيعة، وصلا للحاضر بالماضي، ولطبع الدولة بخصوصية الشخصية الوطنية.

ليس هناك مانع من تبني الرأي الثاني، فأعرق الديمقراطيات اليوم، مثل بريطانيا، تحافظ على طقوس تقليدية كثيرة في انتقال الملك والاحتفالات الرسمية وغيرها. لكن الشرط في ذلك هو عدم الإضرار بالمقاصد والمعاني الأصلية.

فإذا كان الهدف اليوم، كما نص على ذلك الخطاب الملكي لـ9 مارس ونادت به المسيرات الشعبية والأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، هو بناء دولة المؤسسات، دولة الحق والقانون، ودولة تربط فيها المسؤولية بإرادة الشعب من خلال مبدأ الانتخاب، وتربط في الوقت نفسه بالمحاسبة، ودولة فصل السلط، فإن الحفاظ على هذا الجوهر هو المهم، ويجب أن تطوع له الأشكال، فإن قبلت التطويع فبها ونعمت، وإلا فإن الأولوية للجوهر لا الشكل.

وبالنظر إلى أن الوثيقة الدستورية يصوغها المغاربة اليوم، وسيوافقون عليها باستفتاء، فإن المقتضيات التي ستتضمنها فيما يخص انتقال الملك، هي نفسها المحققة للدور الذي كانت تقوم به البيعة في فترات تاريخية سابقة. ولذلك، فإن التعامل معها كبديل للدستور غير ذي معنى. ويخشى أن يشوش التنصيص عليها في الوثيقة الدستورية على مقاصد الانتقال الديمقراطي لمغرب اليوم.