الإثنين, 18 تموز/يوليو 2016 10:54

أصوات شياطين.. أم أعراض مرض؟22

عندي ملاحظة فيما يخص ركن "صحتك النفسية" من جريدتكم، بدأ لي أن الدكتور يركز في إجابته على التحليل النفسي لفرويد أو بصفة عامة على الدراسات الغربية في الدليل النفسي، دون إعطاء جانب الجن والسحر قدرا من الأهمية. حيث قرأت في عدد من الجريدة أن الدكتور نفى أن تكون تلك الأصوات التي سمعها مريض أصوات شياطين، وأنا أظن أنها يمكن أن تكون كذلك، والجن والسحر من ضرورات الإيمان. ثم الملاحظة الثانية حول العلاج، فكل العبادات تعتبر علاجا للاضطرابات النفسية من صوم وصلاة بالإضافة إلى ما ورد في هذا الباب من أذكار نبوية أرى من الأحسن أن يشير إليها الدكتور في نصائحه.

أيدار أبارو (مراكش)

الجواب:

تطرح رسالتك موضوعا شائكا، وبالغ الأهمية. لكن  الجواب عنه بدقة لحالات مخصوصة يحتاج إلى أمرين:

الأمر الأول: المعرفة الدقيقة بالطب النفسي المعاصر. لأن الحديث عن التحليل النفسي وعن الدراسات الغربية، يفترض معرفة حقيقية بها. وإلا تحدث الإنسان عما لا يعلم وكان خطأه وخلطه كبيرا. وللعلم فإني لم أرجع في كل إجاباتي السابقة إلى مفاهيم التحليل النفسي ولم أعتمدها أساسا للتشخيص أو العلاج. بل انتقدتهما فيما يتعلق بالاضطراب الوسواسي القهري، وأهمية العلم بمعطيات الطب النفسي المعاصر تظهر في أن به وحده يمكن أن يعرف الإنسان ما يأخذ وما يدع، وأن يتعامل مع ما يأخذ منها على أساس أنه من سنن الله في الأنفس، اكتشفها الإنسان فهو يستفيد منها، والمؤمن كغيره في ذلك سواء، والحكمة ضالته أني وجدها فهو أحق بها. ومعطيات العلم الثابتة لا يمكن إلا أن تكون منسجمة مع معطيات الشرع الصحيحة.

الأمر الثاني: المعرفة الصحيحة بالشرع. ففي كثير من الأحيان ننسب إلى الشرع ما ليس منه، وما هو نابع من ثقافة البشر وأرائهم. وفي المثال الذي ذكرتم بالخصوص، ليس هناك أي أية ، أو حديث صحيح أو ضعيف، ولا حتى موضوع، ينسب الأصوات التي يسمعها مريض إلى شيطان أو إلى جن. أو على الأقل ليس في علمي شيء من ذلك.

وفي المقابل فأنا انطلاقا من تشخيص أعتبره هو الأرجح بالنسبة لتك الحالة، أعرف أن سماع أصوات أو رؤية أشباح يدخل في أعراض المرض، ويسمى كل ذلك هلاوس سمعية أو هلاوس بصرية، ونتوفر على مضادات للهلاوس، أي أدوية تقلل منها أو تزيلها. وقد جربناها عمليا وأثبتت فعاليتها في أكثر الحالات. فتلك إذن أصوات مرتبطة بالمرض النفسي لا علاقة لها بجن أو شيطان.

أما حول موضوع دور العبادات في علاج الاضطرابات النفسية، فإن للإيمان وشعائره تأثيرا في صحة الإنسان النفسية، لأنه فيها يتوجه إلى الله بارئه وخالقه، ويدعوه ويستعيذ به. لكن ليس خاصا بالحالات النفسية، بل هو أيضا له فائدة كبيرة للحالات العضوية تثبيتا للمريض وطمأنة له "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، لكن استعانة المريض بشعائر الإيمان من صلاة ودعاء وذكر وغيرها لا يغني عن الأخذ بالعلاجات التي يصفها الأطباء. كما أن الدعاء طلبا للرزق لا يغني عن الكسب والعمل، والدعاء طلبا للأولاد لا يغني عن الزواج، بل الدعاء وحده والاتكال عليه دون الأخذ بالأسباب مذموم في الشرع غير محمود.يقول ابن قيم الجوزية: " وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي"، وانه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش، والحر، والبرد بأضدادها. بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات  لمسبباتها قدرا وشرعا..."

ونحن في هذا الركن نؤكد باستمرار على أهمية الرجوع إلى الله وذكره ودعائه في علاج الحالات النفسية، لكن ذلك ليس بديلا عن الأخذ بالعلاجات النفسية التي يصفها الطبيب والتي هي من الأسباب التي أمر الشرع بالأخذ بها.