الثلاثاء, 05 كانون2/يناير 2016 17:54

قالوا بأني مسحور.. وعندي "توكال" ... فما رأيك؟19

أول إصابتي كانت في سنة 1986، وأنا طالب (..) بالجامعة. أصابني الأرق لمدة طويلة وبدأت أتعب وأقلق مع إخوتي، ثم فضلت الانعزال إلى بيت أنام فيه وحدي، حتى فقدت وعيي ذات يوم وسط الجامعة وأحسست أن عقلي غائب عن الدرس.

وصلت إلى البيت وصرخت في وجه زوجة والدي أقول لها إن أختك قد سحرت لي فأمرها أن تسحب سحرها عني (...) وبعد أن زرنا مستشفى الرازي وأخذت الدواء، لم استيقظ إلا وأنا في بلادنا مسقط راسي. مكثت هناك إلى إن أخذوني إلى ضريح، وهذا ما أنكره عليهم لأني أعلم أن ذلك لا يملك لي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله.

تم شفائي بإذن الله ورجعت إلى الجامعة أتابع دراستي (...) فنجحت في الدورة الأولى 1988 بالمركز التربوي الجهوي ثم عاد لي الأرق والقلق خمسة عشر يوما، استشرت الطبيب وأعطاني دواء.

وفي 1989 عاد لي المرض نفسه والأحلام المزعجة (...).

وفي 1990 انتقلت إلى ورزازات مما فجر أبي كالبركان وقال كلاما شديدا، لم أنم تلك الليلة ووصلت مريضا مرة أخرى ودخلت المستشفى(...) وبعد خروجي من المستشفى واسترجاع وعيي قررت أن أتزوج.

وفي 1992 زرت والدي ومعي زوجتي، وبعد الرجوع من السفر أصابني نفس المرض بشدة، أشعر بضيق، وأعيش وسط كهوف مظلمة وغيران مليئة بجماجم مخيفة، ووديان من النار والذهب والفضة والدماء.. وأحس أني ميت وعلي التراب والحجارة والقمل فوق رأسي وفي فمي، رجعت إلى المستشفى وبعد ثلاثة أشهر شفاني الله تعالى.

وفي 1994 رجع المرض ووصلت إلى مستشفى ابن طفيل مدة 15 يوما، وأخذت الدواء مدة 6 أشهر (هالدول، لاركاكتيل، أرطان5).

وفي 1995 وقعت الحالة نفسها ورجعت إلى الدواء.

فهل هذه الأعراض من الأمراض النفسية أم السحرية؟ وما نصائحكم لي؟ وهل استمراري على الدواء خطير إذ أنه يمكنني من النوم والأكل والشرب، ولكن الحالة المرضية والخيالات والأرق أحيانا لا تفارقني ولم يفارقني إلا بعد أن كتبت ومحوت عند الفقهاء الذين قالوا بأني مسحور وعندي توكال.

أ.ت. ع (ورزازات)

الجواب:

اخترت من رسالتك الطويلة الفقرات التي تفيد في تشخيص حالتك، والراجح انك مصاب بما كان يسمى "الذهان الدوري الهوسي الاكتئابي"، ويسمى في أخر التصنيفات الطبية النفسية "الاضطراب ثنائي القطب".

إنه اضطراب وجداني تتناوب فيه نوبات اكتئاب وانبساط مرضي ، ينظر إليه على أنه (داخلي المنشأ)، أي أن جذور المرض ما بين وراثي وجيني (مبرمج في جينات المصاب).

ورغم التقدم الكبير الذي تم على مستوى فهم المرض جذورا ووصفا وعلاجا، إلى أن نقاط غموض كبيرة لا تزال باقية.

وتعني بالانبساط المرضي ما يسمى بنوبة هوس، ويبدو فيها المصاب في حالة مرح شديد مع فرط النشاط والكلام والأفكار المتطايرة. ويصاب المريض في كثير من الأحيان بالأرق والهياج. وقد يصاحب حالة الهوس ظهور هلاوس، فيسمع المصاب أصواتا أو يرى أشباحا دون أن تمت إلى الواقع بصلة.

أما الاكتئاب فتتصف نوبته بالحزن الشديد والنظرة السوداوية إلى الحياة. وفقد المتعة مع الشعور بعدم الجدوى، وقد تصل الحالة إلى درجة أعراض انتحارية.

يتميز (الاضطراب ثنائي القطب) إما بتناوب نوبات اكتئاب ونوبات هوس، أو نوبات هوس وحدها، وفق برنامج معين خاص بكل مريض، مرة كل سنة أو كل سنتين أو اقل أو أكثر. ويرجع المريض إلى حالته الطبيعية بعد النوبة التي قد تدوم شهورا متعددة. وأحيانا تظهر النوبة المرضية في نفس الفترة من كل سنة أو سنتين (في الصيف مثلا).

ولقد حسنت العلاجات المكتشفة في هذه العقود الأخيرة تطور المرض بشكل كبير.

فبالنسبة لنوبات الهوس. فإنها تعالج بالأدوية مضادات الذهان التي ذكرت اثنين منها. وهي تؤدي إلى تحسين كبير في حدة المرض، وفي مدته، فبدلا من ستة أشهر التي هي المدة العادية للنوبات بدون دواء، تنقص الأعراض بشكل كبير بعد ستة أسابيع من العلاج بمضاد أو اثنين للذهان.

وتعالج نوبات الاكتئاب أساسا بمضادات الاكتئاب التي تؤدي إلى تحسنها في أسابيع معدودة.

لكن هناك نوعا أخر من الأدوية تمكن من العلاج الوقائي، أي الوقاية من تكرر النوبات. وتفيد تلك الأدوية في التقليل من حدة النوبات والمباعدة بينها، وقد تؤدي إلى اختفائها نهائيا.

لكنه علاج يحتاج إلى وقت طويل يمتد من سنتين إلى ست سنوات على أحسن تقدير.

إنه – لكل هذا – مرض نفسي سهل التشخيص نسبيا، علاجه متيسر، يحتاج بالأساس إلى وعي من المريض ومن أسرته، ليتجاوز النوبات بسلام، وليتابع علاجه بانتظام. والغالب أن يعود المصاب بعد كل نوبة مرضية إلى حالته الطبيعية تقريبا وأن يعمل ويشتغل.. عليك فقط أن تطلب من طبيبك ماذا عن العلاج الوقائي طويل المدى، وإستراتيجيته التي اختارها. ذلك أن كل حالة يوافقها نوع معين من العلاج.

ورغم البعد الوراثي والجيني المهم في المرض، إلا أن للأسباب النفسية والاجتماعية دورا معينا في تسريع النوبات، أو تطويل مدتها، أو جعلها أكثر حدة. وتحسين تلك العوامل يساعد في تحسين تأثير الدواء. وهذا ما يفسر اختفاء بعض الأعراض عندما "كتبت ومحوت عند الفقهاء". وهو أمر مشاهد كثيرا في الواقع. ولا علاقة له بما يمكن أن يظنه بعض الناس سحرا أو "توكالا" فالمرض معروف، وعلاجه أيضا محدد ومتفق عليه بين المتخصصين.

لكن، كما في مرض عضوي أو نفسي، فإن الراحة النفسية والاطمئنان والسكينة، تمكن من تعجيل وتحسين الشفاء. ولاشك أن من أكبر ما يوفر ذلك الإيمان والذكر – ذكر الله تعالى.. وقراءة كتابه ودعاؤه. فاستعن بكل ذلك مع التزامك بدواء طبيبك وإرشاداته تشفى من مرضك بإذن الله.

 

 * نشرت بجريدة الراية المغربية عدد 192 بتاريخ 16 أبريل 1996.